فبراير 4, 2023

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

“لُغة الكَليم” قصة قصيرة بقلم الإعلامي الدكتور محمد عبد العزيز

تنويه :

أن أي عمل أدبي هو محض خيال للكاتب وان تطابق مع الواقع وأقترب منه أو كانت القصة ممكنة الحدوث في الواقع فان العمل الأدبي يبقى محض خيال ، لكن ليس كل فكر يمكن أن يُعبر عنه الكاتب فالفكرة وحي مثل وحي الانبياء لكن وحي الانبياء مُنزه عن الخطأ لأنه وحي من السماء ووحي الانبياء هو الدين ذاته ، بينما وحي الكاتب ليس مُنزها لأنه فكرة عقل ونفس بشرية عادية ترى فكرة ما هذه الفكرة قد تقبل الصواب وقد تقبل الخطأ ويجب ألا يخرج الفكر للجمهور الا اذا كان الفكر لا يتعارض مع صحيح الدين وثوابته ، ودور الأفكار ان تجدد عقول الأمم وتطرح تساؤلات لم يتم الإجابة عليها من قبل لتتواصل وتتدفق الأفكار وتتطور العقول دائما نحو الفهم الصحيح لكل شئ)
((( القصة )))

… لُغة الكَليم …

مجدي شاب مصري يعمل مدرس مساعد لمادة التاريخ المصري القديم في جامعة القاهرة وهو محب وعاشق للحضارة المصرية القديمة لكنه غير ملتزم دينيا وكان مهتم بالتاريخ والمعتقدات القديمة لكل الحضارات القديمة وكان يرى أن الأديان الوثنية القديمة قبل الديانات السماوية ربما كان لها اصلا وربما كانت مقبولة لصحتها وربما تكون الأسطورة ليست في تلك الديانات القديمة وربما تكون الأسطورة في الديانات السماوية المعروفة بالديانات الإبراهيمية ، كان مجدي مذبذا لا يعرف كيف يبحث ليهتدي إلى حقيقة الدين وكان نهما في القراءة لكل الحضارات القديمة وكل معتقداتها وكان يتعجب كثيرا من أن الحضارة المصرية القديمة لم يرد فيها ذكر اسم اي من الأنبياء الذين جاءوا إلى مصر وذُكروا وذُكرت قصصهم في الديانات السماوية اليهودية والمسيحية والإسلام ، كان يشعر أن الأسطورة ليست في جدران المعابد المصرية القديمة وليست في تماثيل روما القديمة أو معابد اليونان القديمة ، كانت نفسه حائرة لا تستطيع أن تجمع بين الدين والتاريخ في جملة واحدة مفيدة وفي يوم من الأيام ذهب لعمله كباحث مع مهندسي الآثار في الحفر لاكتشاف بعض الآثار القديمة في منطقة قريبة من جبل الطور بسيناء وكان يقول له صديقه حسين أن جبل الطور هو غالبا جبل التجلي الذي تجلى عليه الرب فخر سيدنا موسى عليه السلام صعقا ولم يستطع أن ينظر سيدنا موسى للجبل ، فصمت مجدي للحظة وهو لا يعرف ماذا يقول لصديقه بعد أن تملكه اليأس في فهم التاريخ والدين معا ولا يستطيع أن يُشارك ذلك مع صديقه وفي تلك اللحظة العابرة وهو يدور في عقله عشرات الأفكار سقط مغشيا عليه لبضع دقائق رأى خلالها رؤية ثم آفاق ليجد صديقه حسين قام بنقله إلى استراحة مهندسي الآثار في الموقع وتردد مجدي في أن يخبر حسين صديقة بالرؤية التي رآها وفي النهاية لم يُخبره ، وقطع مجدي العمل وعاد للقاهرة لأنه يشعر بالاجهاد وفور عودته للقاهرة اعتزل العمل والحياة ثلاثة أسابيع وظل يرى تلك الرؤية كل يوم على مدار ثلاثة أسابيع وقرر أن يتحدث مع استاذه في الجامعة الأستاذ خالد وكان متدينا ، فذهب له مجدي وقال له حضرتك متدين رغم دراستك للتاريخ العظيم في الحضارات القديمة وكل الحضارات القديمة لم يرد فيها ذكر أي نبي من الأنبياء فضحك الأستاذ خالد بصوت مسموع وقال له تاريخ الحضارات القديمة كتبه الملوك ولم يكتبه الانبياء لذلك انزل الله على الانبياء كتبا سماوية ليظل ذكرهم وتظل تعاليمهم محفوظة لان الملوك لن تدون أي أعمال غير أعمال الملوك أنفسهم ، فتعجب مجدي قائلا له بهذه البساطة يكون الرد وجميع الملوك في كل الحضارات القديمة لم يكن فيهم مؤمنا واحدا يدون ذكر أي من الأنبياء فضحك الأستاذ خالد وقال له قد يُعطي ملك مؤمن الإشارة بتخليد ذكرى أحد الانبياء ثم يأتي بعده ملك غير مؤمن ويطمس ذكر ذلك النبي من التاريخ ، ثم قال له الأستاذ خالد أراك متحيرا قلقا وزاهدا في العمل والحياة ماذا ورائك؟ ، فقال له مجدي لقد رأيت رؤية لاول مرة أثناء الحفر منذ ثلاثة أسابيع بجوار جبل الطور وتكررت يوميا لمدة ثلاثة أسابيع ، فقال له استاذه قُص رؤياك ، فقال مجدي رغم اني لست متدينا الا اني في الرؤية رأيت نبي الله موسى عليه السلام وهو يتحدث لكني لم افهم اللغة التي كان يتكلم بها وهي لغة ليست عربية وليست عبرية وليست أرامية وليست قبطية ، فضحك الأستاذ خالد وقال له يا بني أن رؤياك التي رأيتها أول مرة أثناء وجودك في بقعة مقدسة وغالبا هذه البقعة هي التي تجلى فيها الرب ، أن رؤياك هداية من الرحمن الرحيم الذي أراد أن يهديك للحقيقة لتعود مؤمنا مُخلصا وان لم تستطع الإجابة على كل التساؤلات فالإيمان واليقين بالله وحده يكفيك ويشرح صدرك ويبقى البحث في كافة العلوم من الفضاء وحتى اكتشافات الآثار والتاريخ مرهونة بامكانيات وقدرات كل عصر وليست مرهونة بالحقيقة ذاتها فالحقيقة المُطلقة ليست ملكا لأحد الا الخالق العليم المُطلع المُحيط بكل زمان ومكان والعليم بالسر وأخفى ، حينئذ سأل مجدي استاذه ما تأويل تلك الرؤيا فقال له استاذه أن الرؤيا صادقة وهي هداية من الله لك فكما تسأل بروح الباحث عن الحقيقة بشكل علمي فقد أرسل الله لك إجابة علمية لكنك لم تستطع أن تعرف السؤال لتلك الاجابة فقال مجدي ممكن إيضاح اكثر فقال له استاذه خالد اني أعمل على بحث تاريخي يجمع بين مصادر تاريخيه عديده ومصادر دينيه عديده ايضا للإجابة على سؤال يُلح على ذهني منذ فترة وهو ما هي اللغة التي تكلم بها الله عز وجل مع الكَليم موسى عليه السلام؟ ، فُبهت وجه مجدي وبدأ يفهم ما يرمي إليه استاذه وتابع الأستاذ خالد قائلا إن اللغة العبرية القديمة ظهرت كأحد روافد اللغة الكنعانية المستخدمة في أرض فلسطين قديما واللغة الكنعانية ظهرت بعد وفاة النبي موسى عليه السلام بحوالي ثلاثمائة عام واللغة العبرية القديمة أصبحت لغة رسمية للديانة اليهودية قبل ميلاد المسيح بخمسمائة عام تقريبا فقط وكانت اللغة الآرامية تنافسها وكادت أن تنقرض اللغة العبرية حتى اقتصر استخدامها في الكتابات الدينية اليهودية وقت القدوم الأول للسيد المسيح عليه السلام وللأسف لم يؤمن به غالبية اليهود ، فقال مجدي ممكن توضح اكثر استاذي الفاضل فتابع استاذ خالد قائلا إن النبي موسى عليه السلام ولد وعاش وتربى في مصر بعد عدة أجيال لاخوة سيدنا يوسف عليه السلام عاشوا فيها في مصر فكان سيدنا موسى عليه السلام مصريا وكانت بشرته تميل للون الخمري مثل بقية المصريين وتربى في قصر الفرعون فكان يتعلم ويكتب ويقرأ بأحد اللغات المصرية القديمة مثل الهيروغليفية وعندما تحدث الله لسيدنا موسى عليه السلام فان ترتيب المنطق يقول إن الله تحدث معه باللغة التي عاش وتربى وتعلم بها سيدنا موسى عليه السلام فاللغة المصرية القديمة لغة مقدسة لان الرب تحدث بها بينما التوراة كُتبت بالعبرية مُتأخرا جدا وبعد وفاة موسى عليه السلام بمئات السنين ، ربما يكون الرب علم موسى عليه السلام لغة خاصة ليتكلم معه بها ولكن الترتيب المنطقي بعيدا عن الغيبيات التي لم نعلم بها من خلال نص ديني صريح الترتيب المنطقي يقول ان اللغة كانت اللغة المصرية القديمة ولم يتحدث بها الله مع أي من الأنبياء في أرض الدنيا كما تحدث مع موسى عليه السلام والإنجيل نزل باللغة الآرامية ولم يتحدث الله بالارامية مع أي من الأنبياء في أرض الدنيا كما تحدث مع موسى عليه السلام والقرآن الكريم نزل باللغة العربية ولم يتحدث الله باللغة العربية مع أي من الأنبياء في أرض الدنيا ، وكان حديث الله مع الرسول محمد عليه الصلاة والسلام في رحلة الإسراء في ملكوت السماوات لكن تحدث الله مع سيدنا موسى وسيدنا موسى على طبيعته البشرية وهو في أرض الدنيا في سيناء في مصر لذلك نقول على سيدنا موسى كَليمُ الله ، وكما اقول لك فإن الله تحدث باللغة المصرية القديمة ولم يتحدث بغيرها مع أي من الأنبياء في أرض الدنيا ، وهذه هي الإجابة التي توصلت لها بعد بحث طويل وقد أرشدك الله إليها دون عناء أن تطرح السؤال ، هداك الله للإجابة العلمية التي تبحث عنها لترد على حيرتك في فهم الدين لتعلم أن التاريخ يجمع بين الديانات السماوية والوضعية جنبا إلى جنب ودائما ما كان يتم تحريف كلا من الديانات السماوية والتاريخ لصالح الديانات الوضعية ولصالح الملوك وكان بعض ضعاف النفوس من أتباع الديانات السماوية يحرفوا كلام الله بأيديهم لذلك كان يبعث الله الرسل مرارا وتكرارا ويرسل معهم الكتب وكان الانبياء في صراع أو فرار دائم من الملوك لذا لم يرد ذكر الانبياء في اثار الجدران والمعابد والتماثيل التي خلفتها الحضارات القديمة وكان اتباع الانبياء دائما يخفوا إيمانهم ويخفوا سيرة الانبياء خوفا من بطش الملوك هل قرأت قول الله تعالى ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [سورة غافر: الآية 28].
، ثم تابع الاستاذ خالد قائلا ان الحضارات القديمة عرفت التوحيد قبل الديانات السماوية الابراهيميه الثلاثة الأخيرة ولكن كما قلت لك التحريف حرفة تاريخية مستمرة مع البشر لذلك تعهد الله بحفظ آخر كتاب سماوي من التحريف وهو القرآن الكريم ، فهدأت نفس مجدي وأصبحت عينيه غارقة في الدموع بعد أن شرح الله عقله وصدره معا لفهم جديد يُعزز الايمان في نفسه لتعود من رحلة عذابها وحيرتها إلى الراحة والسكينة و السلام في واحة الايمان وقرر أن يكتب قصته ونشرها في رواية أحدثت ضجة واسعة خاصة بين أوساط الشباب العربي الحائر في عصر التكنولوجيا والعلوم وطغيان المادة على الجانب الروحي ، بينما نشر الأستاذ خالد نتائج بحثه ونال عليه تكريما من معظم الدول العربية والإسلامية وهاجمت البحث معظم الدول الأوروبية وأقرت بصحة نتائج البحث القليل فقط من الدول الأوروبية ، وكان دائما ما يُداعب الاستاذ خالد تلميذه مجدي بعبارات رقيقة ثم يُذكره بقول الله تعالى 
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56)﴾ سورة القصص .
… نهاية القصة …
(ملحوظة)
من الكتب التي أستلهمت منها فكرة القصة كتاب 
” التوراة الهيروغليفية ” للباحث الكبير 
أ.د. فؤاد حسنين على ، أستاذ اللغة اليونانية بجامعة القاهرة .